السبت، 25 أغسطس، 2012

نكهة العيد في القرية

   رغم أن رياح المدنية التي هبت على قريتي غيرت كثيرا من ملامحها و عصفت بعدد من عادات وتقاليد أهلها كغيرها من القرى والمدن في عصرنا ، فإنه لا تزال للعيد فيها نكهة خاصة  تجذب أبناءها المهاجرين  و تحملهم على تجشم عناء السفر و شد الرحال إليها أينما كانوا ولو من مدن بعيدة ، فالعيد خارجها بلا طعم و لا ذوق كما يقولون...
         يبتدئ يوم العيد باكرا حيث يحرص رب الأسرة على إخراج زكاة الفطر ، فيوقظ أبناءه الصغار لتوزيعها على فقراء القرية و يحرص الأقارب المتجاورون على تبادل التهاني باكرا ،  تتناول الأسرة مجتمعة وجبة الفطور  وجبة متنوعة و غير مخصصة بأكلات محددة (حلويات ،فطائر ..) تم يتهيأ الذكور لصلاة العيد  بالوضوء و الاغتسال  قبل ارتداء أجمل الثياب التي تم اقتناؤها خصيصا لهذه المناسبة  ليقصدوا مكان التقاء أهل الدوار قرب المسجد في الوقت المحدد  للانطلاق من هناك في اتجاه المصلى ..مكبرين ومهللين بشكل جماعي ... و بعد أداء صلاة العيد والاستماع للخطبتين يحرص كل فرد على ألا يغادر المصلى حتى يتأكد من مصافحة كل أو غالبية الحاضرين و مبادلتهم التهاني ... ليعود كبار  السن إلى مكان الانطلاق  فيما يتوجه الشباب والصغار للبيوت لإحضار طعام مُعَدٍّ لهذه المناسبة من قبل كل أسرة  " الكسكس " غالبا ، و للتأكد من حضور جميع الأسر  يلتمس أحد أعيان الدوار  من الحضور أن يتأكد كل واحد من حضور جاره ، ليدعو الجميع للأكل ن فيأكل هذا من طعام هذا و ذاك من طعام الآخر في جو بهيج تغيب فيه فوارق النسب و الجاه و اللون و السن و تستبعد فيه الضغائن والأحقاد... بعد ذلك يقف الجميع رافعين أكفهم مؤمنين خلف الإمام الذي يدعو للجميع بالخير والصحة والعافية و طول العمر ....و لا يفوته أن يخص الحاضرين من مدن بعيدة بدعوات خاصة تمتينا لعلاقتهم بأسرهم و ببلدتهم ....
بعد ذلك تنطلق فترة صلة الرحم و عيادة المرضى حيث يزور الأهالي بيوت القرية واحدة واحدة فرادى وجماعات صغارا وكبارا ذكورا و إناثا و يجدون غالبا كؤوس الشاي و أطباق الحلوى في انتظارهم  و بينما  يحرص الأقارب  على تهنئة جميع اهل البيت ، يكتفي الآخرون  و خاصة  الذكور بتهنئة كبيرات السن اللائي  يفترشن  بساطا جميلا  على مقربة من الباب الرئيس للبيت..وتمتد هذه العملية إلى ما بعد الزوال  ، و  يخصص  البعض  المساء و اليومين المواليين لتهنئة الأقارب القاطنين بعيدا عن الدوار ...
      إن إحساس المرء بروح الجماعة و التآزر و التكافل و التراحم  في القرية  إحساس مفقود في كثير من مدننا للأسف الشديد على كثرة سكانها ، و هذا ما يجعل منه عامل جذب يجعل الجميع يشد الرحال إليها و لو تطلب الأمر العودة في اليوم الموالي  و   يجعل العيد بالنسبة لأفرد الأسرة المقيمين بدون حضور المهاجرين  منقوصا و بلا طعم .... و لأن رياح المدنية عاتية أرجو أن تصمد في وجههها حتى تحافظ على الحد الأدنى من تميزها و تحفظ للعيد مقاصده لنبيلة ...
  ومما يؤسف له  إلغاء  ذلك الاحتفال الفني الذي كان ينظمه الأهالي  في القرية ليلة العيد و أحيانا لليال عدة  تعبيرا عن فرحتهم بهذه المناسبة و تنشطه فرقة  " رقصة أعواد " المكونة من أبناء الدوار و هي رقصة من فلكلور المنطقة وتسمى ب " رقصة السيف " في أماكن أخرى بواحة درعة ... و لعل ذلك راجع لبعض التجاوزات التي كانت تقع أثناء الاحتفال ...

الجمعة، 17 أغسطس، 2012

عيـــــد مبارك سعيـــد

السلام عليكم
أصدقاء وقراء صدى كيسان
تقبل الله صيامكم وقيامكم
وعيد مبارك سعيد و كل عام وأنتم بخير...

السبت، 11 أغسطس، 2012

رمضانيات (4): لقطات من سوق مغربي



     "  السوق مكتظ بالبائعين والزبناء و كأن الجميع قضى ليلته هنا "   لسان حال كل وافد جديد ظن أنه حضر باكرا ليغتنم الفرصة...

                  1 - عيب يا  وزارة الأوقاف 

 بين الفينة والأخرى و وسط أروقة مكتظة بالناس ، يظهر رجال فرادى و جماعات رافعين لا فتات أحد المساجد ، حاثين الناس بصوت عال على المساهمة في بنائه أو إتمامه .. مبادرة تجد صدى رحبا من الميسورين وكل ذوي الأيادي السخية الذين يساهمون طمعا في بيت في الجنة فعن  ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { : من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة لبيضها بنى الله له بيتا في الجنة . } رواه أحمد  .،. و لا يسع المرء إلا أن  يشد على أيدي هؤلاء الذين يجولون الأسواق و يقفون أمام أبواب المساجد في جل الصلوات أملا في الحصول على تبرعات  من المحسنين مضحين بوقتهم و جهدهم ، بل و بعرضهم إذ  يسمعهم البعض  أحيانا كلاما لن يرضوا سماعه حتى لو أرادوا تلك  النقود لحساباتهم الشخصية ،  .. و في المقابل يتساءل المرء هل يليق  بسمعة  وزارة الأوقاف المسؤولة عن بناء المساجد و هي من  أغنى الوزارات في الدولة  أن تستقيل من هذه المهمة و تحول المسجد  بهذا الشكل إلى " شحاذ "إ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟..

                                                               
                                              2- تتمة المهــــــزلة 

     يلقي كل مواطن غيور على دينه وقيم وطنه جام غضبه على قنواتنا العمومية التي تغرق مشاهديها في بحر مسلسلان تركية  و ميكسيكية  مدبلجة رديئة على مدار اليوم، تزيد الأسر تشتتا والأخلاق انحلالا ...و ما أن يدخل السوق ليقتني ملا بس جديدة حتى يجد تتمة المهزلة تنتظره هناك ، بشكل يبرز الأهداف التجارية  المقيتة لمن يمولون  تلك السخافات  ويفرضون مشاهدتها على عامة الناس ... فتجد أقمصه " خلود " و سراويل و قبعات و أحذية ووو...

                                                                                                                                           ا3 - البائع والزبون( 1) 
 - الزبون :كم ثمن هذا القميص ؟
- البائع : 80 دهما إنه من الخارج (ايطاليا )
- الزبون : شكرا (ويواصل طريقه.....
 - البائع : خذه ب 75 ...70...60 ....50.... أو خذ لك هذا إنه من كندا .....
- اختفى الزبون بين الناس  و لم يعد يسمع سمفونية البائع.....

                                                                                                                                        ا4 - البائع والزبون (2)
 الزبون : كم ثمن العنب سيدي ؟
البائع : 8 دراهم
 يتسلم الزبون كيسا بلاستيكيا لانتقاء أحسن  العناقيد فرحا بهذا الثمن المناسب مقارنة مع باعة آخرين ، بينما يضيف له البائع أخرى حسب ما اتفق ...يرفض الزبون الذي يبدو انه مسالم لأقصى الحدود و يضع الكيس و ينصرف، يغضب البائع فيسخر منه بصوت عالٍ و ينهال عليه  بأبشع النعوت والأوصاف .يمضي الزبون المسكين مستنكرا حامدا الله أن سلمت الجرة ...

                                                    
                                          وقاكم الله شر الأسواق و رزقكم خيرها و كل عام وانتم بخير


                        

الأحد، 5 أغسطس، 2012

إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون

      بمناسبة شهر رمضان المعظم أتشرف بأن أضع بين أيديكم مقالا قيما لأستاذي الفاضل عبد الرحمن المتقي أحد أبرز أعلام زاكورة المعاصرين ، و الذي خص به  صدى كيسان ،و أشكره جزيل الشكر على التفاتته الكريمة هذه تجاهها و تشجيعه ، و أسأل الله العلي القدير أن يتقبل منه و يبارك في عمره وعلمه....

 
إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون

                                                       ذ. عبد الرحمن المتقي.
                                                       رجل تعليم متقاعد
          و بعد، فقد أنزل الله عز وجل على عبده الكتاب ليكون به للعالمين بشيرا و نذيرا، حجة على خلقه ، ومعجزة لنبيه. فهو كتابه المبين، الفارق بين الشك واليقين. و لهذا تكفل سبحانه بحفظه فقال: { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } ( الحجر: 9)
        و ليس يخفى أن وراء هذا التأكيد على حفظ  الخالق سبحانه القرآن الكريم ما شهد به القرآن الكريم  نفسه مما تعرضت له الكتب السماوية السابقة من التأويلات الفاسدة، و التغييرات المخلة .
          و حفظ الحق سبحانه القرآن الكريم كان بتيسير اسبابه ،فقدر أن يُحَفَظ في الصدور و في السطور، منذ عهد النبوة و الرسالة و إلى يوم يبعثون.. فكانت صدور الرجال و النساء على السواء أوعية جامعة لكتاب الله حافظة له من كل سهو أو زيادة أو نقصان.. قال تعالى:(وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ). و قد وردت هذه الآية المباركة في سورة القمر أربع مرات متواليات حثا على العناية به حفظا و ذكرا.  قال الإمام القرطبي في تفسيره في معنى هذه الآية:.. أَيْ سَهَّلْنَاهُ لِلْحِفْظِ وَأَعَنَّا عَلَيْهِ مَنْ أَرَادَ حِفْظه;فَهَلْ مِنْ طَالِب لِحِفْظِهِ فَيُعَان عَلَيْهِ؟ (الجامع لأحكام القران). و في تفسير الجلالين نقرأ: "وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآن لِلذِّكْرِ" معناه: سَهَّلْنَاهُ لِلْحِفْظِ وَ هَيَّأْنَاهُ لِلتَّذَكُّر. و لذلك كان النبي (ص) يهتم غاية الاهتمام بحفظ القرآن و استظهاره بمحضر أمين الوحي عليه السلام كما وردت بذلك الأحاديث. و كان يقوم بتحفيظ الصحابة كل ما نزلَ منه بعد أن يفضى إليه وحيه، ويحثهم على تعلمه وتعليمه،و على حفظه واستظهاره.ففي الحديث النبوي الشريف: (خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه)،و فيه أيضا:اقرأوا  القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه.فكان أن جد علماء الأمة و الرجال والنِّساء،والكبار والصِّغار في حفظ القرآن ليكونوا مع السفرة الكرام البررة كما وعدهم رسول الله (ص). و بذلك صار القرآن يحفظ كلا أو بعضا تقربا إلى المولى جلت قدرته. و مما هيَّأ الحق سبحانه من أسباب الحفظ أن سهل على الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين حفظه و معرفة أحكامه بنزوله منجماً حسب الحوادث والنوازل. وإلى ذلك يشير قوله تعالى:... وقرآناً فرقناهُ لِتقرأَهُ على الناسِ على مُكثٍ ونزّلنَاهُ تنزيلاً. و إذن، فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يسمعون القرآن من في رسول الله (ص)      و يتلونه بين يديه الشريفتين، و يحفظونه لحظة نزوله، و يعرفون أسباب نزول هذه الآية أو تلك. أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن مسعود  أنه قال: "والله لقد أَخذتُ من في رسولِ الله  بضعا وسبعين سورة".و كلنا يذكر قوله( ص) لعبد الله بن مسعود - رضي الله عنه:اقرأ علي. فقال :يا رسول الله، أأقرأ عليك وعليك أنزل ؟ فقال : إني أحب أن أسمعه من غيري.فشرع يقرأ من سورة النساء،حتى إذا بلغ قوله : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ،قال: حسبك الآن. فرفع رأسه فإذا عينا رسول الله (ص)تذرفان. 
             و قد ظلت العناية بالقرآن لصيقة بهذا الدين تنفيذا للوعد الإلهي بحفظه،يتبناها من وصلته الدعوة في كل البقاع، و تستقر حيث استقر الإسلام و استوطن.و لا يختلف المغاربة في هذا عمن سواهم. بل لعلهم له أحفظ بشهادة المؤرخين. و لذلك سنخصهم بوقفة:
          فقد برع أسلافنا المغاربة في حفظ القرآن و استظهاره عن ظهر قلب منذ أن حسن إسلامهم،لا يضاهيهم في ذلك غيرهم، يستوي في ذلك الحكام و المحكومون.و ما عرف المغرب طيلة تاريخه الإسلامي حكاما إلا كانوا أحرص الناس على خدمة القرآن، وأشد عناية بطلابه. يقول العلامة ابن خلدون في مقدمته:....فأما أهل المغرب فمذهبهم في الولدان الاقتصار على تعليم القرآن فقط ، وأخذهم أثناء المدارسة بالرسم و مسائله و اختلاف حملة القرآن فيه...إلى أن يقول: وهذا مذهب أهل الأمصار بالمغرب ومن تبعهم ... فهم لذلك أقوم على رسم القرآن وحفظه من سواهم.
          و من المغاربة من أبدع طرقا في تعهد القرآن واستظهاره بانتظام كما فعل الموحدون ابتداء من القرن السادس الهجري. يقول الأستاذ عبد العزيز بن عبد الله في كتابه:"معجم المحدثين والمفسرين والقراء بالمغرب " (ص/5):...وقد أمر يوسف بن عبد المومن الموحدي بتأسيس قراءة الحزب في المساجد، ومنعت قراءته بغير تجويد. وتيسيرا لذلك قام العلامة محمد بن أبي جمعة الهبطي بوضع طريقة لوقف القرآن لم تكن معروفة في الشرق...).وجاء أيضا في مقدمة الدكتور عبد الهادي التازي لتحقيق كتاب ''المن بالإمامة '' لابن صاحب الصلاة، أثناء حديثه عن دولة  الموحدين،قولُه :''واعتادوا منذ الأيام الأولى أن يوزعوا القرآن أحزابا ، ليقرأوا منه يوميا حصة معينة ''
            هكذا إذن، سن الموحدون قراءة الحزب الراتب جماعة بعيد صلاة الصبح و بين العشاءين في المساجد على امتداد رقعة حكمهم بالمغرب والأندلس. و ما زال هذا المغرب المسلم محافظا على هذه السنة الحسنة إلى يومنا هذا، تنفيذا لوعد الله بحفظ القرآن و صونه.     و ستبقى إن شاء الله ما دام المغاربة مستأمنين على حفظ القرآن                 بتثبيت الحفظ و سلامة التلاوة، معتمدين رواية ورش عن نافع، متبنين ما سطره فقيههم الهبطي من أوقاف معلومة، تجود الأداء، و تجعله على نغمة واحدة، ملتمسين السند الشرعي للقراءة الجماعية في قول الرسول (ص): ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده.و في قوله (ص): اقرأوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فيه فقوموا. و هو مِمَّا لا يتصور حدوثه في التلاوة الفردية كما يذهب إلى ذلك بعض الدارسين. و لذلك، قال الشيخ عبد الصمد كنون شارح العمل الفاسي عن قراءة الحزب الراتب:  وقد جرى العمل به ببلدنا بين أيدي العلماء، والأمر فيه خفيـف، وجرى الأمر عليه في المغرب كله، وفي المشرق فيما بلغنا، ولا نكير.
           هكذا تعلقت قلوب المغاربة مبكرا بالقرآن الكريم، و حققوا وعد الله بحفظ كتابه، فصارت صدورهم مصاحف مكنونة،و ألسنتهم ترتل آيات المصحف الشريف مستمتعة به و بطاعة الله. بل إن الرجل منهم لينتشي مرددا مع الشاعر قوله:
        نعم السمير كتاب الله إن له              حلاوة هي أحلى من جنى الضرب
       به ضروب المعاني قد جمعن فما         تفتر من عجب إلا إلى عجب                                                
        أمر و نهي و أمثال و موعظة              و حكمة أودعت أفصح الكتب    
        لـطـائف يـجـتلـيها كل ذي بصر          وروضة يجتنيها كل ذي أدب
            هكذا إذن، صار المغاربة منذ أن عرفوا الإسلام يبدعون طرقا في حفظ القرآن و تعهده و ما زالوا، و صار القرآن الكريم يختم في مساجدنا مرة كل شهر.  فعنايتهم بكتاب الله حفظا و تلاوة لا يزيدها الزمان إلا توهجا. و ليس أدل على ذلك مما تسطره وزارة الأوقاف من مباريات سنوية في حفظ القرآن الكريم و تجويده، وما تمنحه للفائزين من جوائز تقديرية تشجع غيرهم من شباب هذه الأمة ذكورا و إناثا على المثابرة و الاجتهاد في الحفظ و التجويد. بل إن المغاربة صاروا ممن يحسب لهم حساب في المسابقات الدولية في حفظ القرآن              و استظهاره و تجويده. و صار لنا نحن المغاربة ـ و لله الحمد و المنة ـ قراء مشهورون من ذوي السمعة العالمية. و يكفي أن نستدل على هذا بحصول القارئ المغربي أحمد شهبون على الجائزة الأولى في فرع تلاوة القرآن الكريم في الدورة التاسعة لمسابقة الجنيد الدولية للقرآن الكريم التي نظمت في مملكة البحرين.بل إن أطفالنا اليوم ينافسون أقرانهم من أطفال العالم الاسلامي في مسابقات حفظ و تجويد القرآن الكريم. و قد فاز الطفل المغربي محمد بوشكوش بالمركز الأول للمسابقة الدولية "تيجان النور" لتلاوة القرآن الكريم التي تنظمها قناة الجزيرة للأطفال بالعاصمة القطرية الدوحة عن سنة 2012.و آخر ما تداولته وكالات الأنباء هو تمكن الشابة المغربية حسناء خولالي(19 عاما) الحاملة لكتاب الله من الفوز بالجائزة الأولى في المسابقة الدولية للتجويد بالعاصمة الماليزية كوالالمبور،صنف النساء،لتكون بذلك أول مغربية وعربية تفوز بهذه الجائزة في تاريخ المسابقة التي وصلت إلى السنة الـ54 من عمرها.كثر الله من مثيلاتها و أمثالها.
        و ختاما،فقد يسر الله لهذه الأمة المسلمة و كتابها الكريم من وسائل الحفظ و الصون في عصرنا هذا، و أدوات التلاوة و التجويد ما يستوجب الشكر الجزيل. فأصبح القرآن محفوظا مصونا محرزا من كل تحريف بالزيادة أو النقصان او غيرهما بوسائل العصر التقنية العالية الجودة. و أصبح بإمكان المسلم أن يستمع طول وقته لأجود القراءات     و بألسنة مشاهير القراء في العالم الإسلامي من هاتفه المحمول أو في سيارته. و ما زالت مدارسنا العتيقة عاجة بطلاب القرآن إلى يوم الناس هذا، يحفظونه عن ظهر قلب تنفيذا لوعد الله بحفظه. و ما زال الحزب الراتب يؤدي وظائفه بمساجدنا كل صباح و مساء. و ها إن وزارة الأوقاف و الشؤون الإسلامية قد قامت بطبع المصحف المحمدي الشريف بأمر ملكي،و أوصت بتوزيعه على مساجد المملكة و الناس. أما جائزة محمد السادس لحفظ و تلاوة القرآن الكريم فهي الدليل المادي على ما توليه هذه البلاد للمصحف الشريف من كبير العناية     و واسع الرعاية. أدام ربي ذلك و زادنا من فضله، و أثاب كل من ساهم و يساهم في هذه المنة من قريب أو بعيد، لتنعم هذه البلاد بما وعد به الله من استمسك بعروته الوثقى،و اعتنى بالقرآن الكريم و أهله كما ينبغي أن تكون العناية.
           إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون.قل صدق الله. و من أصدق من الله قيلا؟ فلنجعل العناية بالقرآن هدفا، ولنحمل أولادنا على مزيد من الحفظ و التلاوة و التجويد في حدود ما تسمح به أوقاتهم. فتلك كانت مفخرة هذه البلاد طيلة تاريخها الإسلامي و ستبقى، ما دام الناس متمسكين بدينهم، متطلعين إلى جنات ربهم، موقنين بأهمية الأمر الإلهي بقراءة ما تيسر منه إحياء للقلوب، و بأن هدى الله هو الهدى.
             طوبى لمن حفظ الكتابَ بصدره * * فبدا وضيئاً كالنجوم تألَّقا            
           وتلاه في جنح الدجى متدبِّراً * * والدمعُ من بين الجفون ترَقرَقَا

رمضانيات (3): الصائم بين العبادة و فخ اللهو

   يحل شهر رمضان المعظم كل عام حاملا معه نفحاته الإيمانية الزكية و نسماته الروحانية العطرة ، فيرى فيه  المسلمون - بمن فيهم أولئك الذين تكاسلوا وفرطوا في واجباتهم الدينية طيلة السنة -  شهرا  للعبادة وفرصة للتوبة و التكفير عن تقصيرهم ، فترى كثيرين يستغلون  جل أوقاتهم  في التقرب الى الله سبحانه ، صلاة و قراءة للقرآن و إنفاقا في سبيل الله و صلة للرحم  ومشاركة في الأعمال الخيرية ... و ما أن ينتهوا من وجبة الإفطار حتى يشدوا الرحال للمساجد لأداء صلاة التراويح ، و تجد بينهم من يقطع كيلومترات ، و يتكبد مشاق التنقل والزحام حتى يصلي خلف مقرئ مجيد للقرآن الكريم في مسجد هنا أو هناك ، وهكذا تمتليء  بعض المساجد والساحات والأزقة المجاورة لها عن الآخر بالمصلين في مشهد رباني مهيب، ولا  تكاد مدينة تخلو من واحد أو أكثر ( الدار البيضاء ، مراكش ، أكادير ، فاس ....)  حتى إن المشرفين على بعض المساجد يستقدمون مقرئين مجيدين من مدن أخرى  أو ينقبون عنهم عبر تنظيم مسابقات في تجويد وترتيل القرآن الكريم، كما هو الأمر مثلا بالنسبة لجمعية بناء المسجد الجديد في مدينة أكدز  مشكورة رغم أن أشغال بنائه لم تكتمل بعد ...، ذلك أن القراء المجيدين و بتلاواتهم العطرة والمتميزة يساهمون في جذب أكبر عدد من  المصلين ،و تقريب معاني القرآن الكريم لهم ،كما يساعدونهم على الخشوع و التدبر ،و يحقنون المفرطين جرعات إيمانية تقوي صلتهم بربهم ، بل تفتح بصيرة غير المسلمين على الحق أحيانا....
    وفي المقابل يرى  آخرون في رمضان مناسبة لكل ألوان الأكل واللهو والمرح ، و تضييع الوقت فيما لا طائل من ورائه ، إذ يقضي  كثيرون  جل أوقاتهم في لعب الورق أوارتياد الملاهي والمقاهي أومشاهدة الأفلام و المسلسلات أو التجول ليلا ليخلدوا للنوم نهارا .... و مما يثير انتباه زوارالمدن والساحلية خاصة ما تشهده الطرقات و الساحات المحاذية للشاطئ (كورنيش ...)  من حركة غير عادية للناس حيث يحج إليها كثيرون ذكورا و إناثا ، والغريب أنك تجد  من يقطعونها - رغم طولها - جيئة وذهابا مرات حتى ساعات الصباح الأولى فيما يشبه " السعي في المشاعر المقدسة " (نموذج شاطيء أكادير) إلا أنه بلا أجر بل قد تًجْنَى من ورائه سيئات كثيرة حين يغيب غض البصر وحفظ اللسان  ....
     صحيح أن الترويح عن النفس بعد أكثر من 15 ساعة  من الصيام وفي يوم حار مطلوب و ضروري ، إلا أن المسلم مطالب بأن يأخذ منه بقدر ما يُعْطى الطعام من الملح و اغتنام فرصة شهر رمضان شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار ، موسم الخيرات والبركات لتزويد " حسابه " بأكبر قدر من الحسنات ، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا دخلَ رمضان فُتِّحَت أبوابُ الجنة، وأُغلِقَت أبوابُ جهنم، وسُلسِلَت الشياطين»؛ رواه البخاري ومسلم.

Follow by Email