السبت، 16 فبراير 2013

مسلسل درامي على متن حافلة قبل الإقلاع ..اا


      انطلقت الحافلة في أجواء عادية غير مألوفة بعد أن أخذ الركاب القليلون أماكنهم بهدوء ، بعد حوالي ربع ساعة كان لزاما أن تتوقف عند محطة المسافرين الأكبر و الأقدم لاستكمال العدد المسموح به من الركاب إن أمكن ... توقفت وبدأت المناداة باسم المدينة الوجهة من قبل أكثر من شخص ، و ما هي إلا لحظات حتى  بدأ بث وقائع مسلسل درامي مضمون " الفرجة " و بالمجان لم أشاهده منذ أكثر من عشر سنوات و بنفس اللقطات والمواقف مع اختلاف الممثلين ...صعد رجل تجاوز الأربعين وبين يديه لوح خشبي
مشدود بخيط على عنقه ، ممتلئ بالساعات اليدوية و غيرها ، مرتبة ببراعة و عناية ،يعرضها للبيع تحت شعار " الجودة بأقل ثمن "...يلح في العرض على ركاب بدأ النوم يداعب جفونهم والساعة تقترب من العاشرة ليلا ...يتوقف عند راكب هنا وهناك ويغادر ,,,همست في أذن صاحبي الذي لم يشاهد هذا المسلسل من قبل ، سيأتي من...ومن ..و من ... لم أنته بعد من سرد الحلقات المتوقعة فإذا بطفلة لم تتجاوز العاشرة تضع وريقة صغيرة مطبوعة في حضن كل منا أسوة بباقي الركاب دون استئذان ،يتناولها البعض للتعرف على مضمونها فيما لا يكلف آخرون أنفسهم مثلي عناء ذلك تجاهلا أو توقعا لمضمونها " أنا فتاة يتيمة ولي 4 إخوة و أمي مريضة .ساعدوني بما تيسر جزاكم الله خيرا " ... تنزل من الباب الأمامي  بعد أن تجمع وريقاتها و يدس البعض في يدها قطعا نقدية ,,, ليصعد شاب من الباب الخلفي حاملا طبقا مليئا بدمالج و حلقات الأذن وخواتم و سلاسل...,,يعرض سلعته جيئة وذهابا," دمالج ، خواتم ، حلقات ..." قبل أن يقتنص نظرة اهتمام من أحدهم ليتوقف عنده لمزيد من الشرح و التفضيلات ,,يلبسه خاتما على سبيل التجربة فيعلق بأصبعه...يحاول الراكب نزعه فيعجز فيطلب من البائع القيام بذلك فيبادره " بدل 20 درهما اعطيني10 دراهم فقط ...قليل من الصابون سيجعله ينتزع بسهولة... وكلما ألح الأول على نزع الخاتم أولا ، نقص الثاني من الثمن ..."
في نفس الوقت كان شاب في الثلاثينات بملابس أنيقة قد صعد مرفوقا بطفل دون العاشرة ، لا يبدو عليهما أثر الحاجة " إخواني أنا من مدينة ... (بعيدة) متجه إلى مدينة .. التي أعمل بها في مجال الصيد . توقفت هنا فسرقت مني محفظة نقودي ... وجهي كما ترون ليس وجه شحاذة ساعدوني جزاكم الله خيرا لاستكمال ثمن التذكرة (يلمس لا مبالاة الأغلبية) فيعيد كلامه رافعا صوته أكثر مؤنبا مخاطبا الحس الإنساني في الركاب وقوة إيمانهم ، يمده البعض بدراهم فيغادر .... ليصعد آخر من الباب الأمامي  وهو يصيح بصوت عال : موز موز... حاملا أكياسا بلاستيكية مغلقة بإحكام بها حبات موز يغلب السواد على بعضها و لا يحق لأحد طبعا فتحها ....
     يغادر و يصعد طفل يحمل بين يديه  منشفات " كلنيكس " و قطع الحلوى و البسكويت ،العلكة  ... درهم درهم ملمحا في خبث و دهاء للأطفال ، وهو لا يزال كذلك فإذا بسيدة في الثلاثينات تبدو على ملامحها الحشمة والوقار ، فتبدأ هي الأخرى في توزيع وريقات على الركاب مكتوبة بخط اليد...." إخوتي : زوجي طريح الفراش منذ سنوات و لي خمسة أبناء و أكتري غرفة ب 800 درهم ...ساعدوني أعطاكم الله من فضله " تنال المرأة عطف كثيرين فلا يبدو أنها محترفة ، علق أحد الركاب : لا يمكن لامرأة  بهذا الجمال  أن تكون محترفة للشحاذة و بإمكانها الحصول على الكثير لو اختارت الطريق الآخر في ليلة واحدة ,,, يدير السائق المحرك في إشارة لقرب انطلاق الحافلة ، فيتنفس الركاب الصعداء أخيرا سيسدل الستار عن حلقات هذا المسلسل المكررة و التي فرضت عليهم ...رغم ذلك يصعد شاب في العشرينات بلحية كثيفة غير منظمة ,,,يوزع كتيبات بنفس طريقة الوريقات ليتوقف عند مقدمة الحافلة متقمصا دور  الواعظ ، مبرزا أهمية الدعاء عنوان الكتيبات " الدعاء المستجاب "  و فضله و ثمنها الزهيد مقارنة مع ذلك ، بعبارات تشم منها رائحة الحفظ  فهي غير مترابطة أحيانا و تتضمن أخطاء كثيرة,,,,
  و حده مشهد بائع " المجلات " الذي يعرض مجلات معروفة تدس بينها أخرى تضم صورا فاحشة تعتمد طعما للإيقاع ببعض الشباب ، لم يعرض ولا أدري السبب ؟؟؟
    لن تكون حافلتنا فضاء العرض الوحيد بل غالبية الحافلات المارة من هذه المحطة ولن يكون العرض محصورا على اليوم بل كل يوم و بنظام منقطع النظير  ...
........

9 التعليقات :

ياااااااااااااااااه

الأفلام تتناسخ الظاهر!

كل بلداننا هكذا يا ترى!؟ :(
-----------

أتصدق أن سائقي الحافلات متواطئون في (العملية)! - أنا أشير لمناطق عشت فيها و لا أعمم بالطبع.

أقرأ المقالة وأضحك، لسبب واحد هو أني كنت أستغرب من هذا حين ركبت بعض الحافلات.. لكني في النهاية أقول بالنسبة لأولئك الباعة ربما هذه هي المساحة التي تمنحهم قوت يومهم. أما عن المتسولين فهذا أمر آخر.
مع الود والتحية سي محمد

لا اتذكر متى كانت اخر مرة اركب فيها اتوبيس ( حافلة )
اشعر ان هذه المشاهد تهدر ادميتنا ...شىء مزعج ومستفز
تقريبا كل الوطن العربى يتشارك فى مثل هذه المشاهدد ... رغم انى كنت اعتقد اننا بمصر النجاح المنقطع النظير قد استاثرنا به وحدنا :)

تحياتى لك استاذى بحجم السماء

@Haitham Jafar
أهلا بك أخي هيثم شرفت صدى كيسان
واقع مدننا متشابه إذن
للأسف الشديد ظواهر تسيء أكثر مما تظهر معاناة البعض
تحياتي

@رشيد أمديون. أبو حسام الدين
أهلا بك سي رشيد
فعلا ...قد نتفهم حالة الفقر التي دفعت هؤلاء للحافلات لكن سلوكات عدة تستدعي التدخل ...
تحياتي

@ليلى الصباحى.. lolocat
أكيد أستاذة ليلى فالمعاناة واحدة
الصور متشابهة و مكررة
نرجو ألا يتأخر اليوم الذي ستتغير فيه نحو الأحسن
تحياتي

أحببتها واستمتعت :) وانا اقرأ هذه التدوينة الرائعة .. فعلا إنه مسلسل لا يمل التكرار منذ عشرين عاما او تزيد ..

موضوع شيق سي محمد ، لمشهد يتكرر في أغلب المحطات الكبرى بالمغرب وخاصة في مدينة مراكش .. وضع يؤسف له حقا وهو ينم عن الهشاشة الاجتماعية وامتهان البعض لهذه الحرفة سامحهم الله ..

مرحبا بك سي عمر
متفق معك في ما ذكرت و إن كانت هناك محطات أخرى تبدو فيها الظاهرة مقلقة أكثر..
نرجو أن يتحرك المسؤولين لوضع حد لهذه الظاهرة..
تحياتي

إرسال تعليق

أخي القارىء أختي القارئة تعليقك على الموضوع دعما أو نقدا يشرفنا فلا تتردد في التعليق عليه ...

Follow by Email