الأحد، 20 مايو، 2012

رحلة تعزية في القرن الواحد والعشرين ( 2)عَزَاءٌ في جُبَّةِ عُرْسٍ

          

عَزَاءٌ في جُبَّةِ  عُرْسٍ

      تعالت صيحات النساء شيئا فشيئا بموازاة ابتعاد الجثمان عن البيت ، نواح و ندب .همس أحدهم في أذن الآخر:" إنهن بنات الهالك وأخواته.." ذكرتني تلك الصيحات  بما دار بين أمي و صديقتها بحضوري يوما ، بعد عودتهما للتو من مجلس عزاء شيخ  القرية ، شكرتا الله الذي  أطال عمرهما  لرد الدين مضاعفا " الدموع" لللا فاطمة  التي بكت إلى جانبهما سابقا مرات بكاء من القلب ، و تحدثتا بإعجاب عن تلك المرأة التي هزت  مشاعر المعزيات ونالت مؤازرتهن البكائية  ، بطريقة  سردها لمعاناتها مع زوجها و هو مارفع إيقاع النواح و الندب ... سار الموكب في اتجاه المقبرة التي
 خُصِّصَت لها ربوة تشرف على القرية ،انقسم الناس بين من يهلل بصوت عال " لا إله إلا الله محمد رسول الله " ومن اختار الصمت ، وبين  من هرول ليضمن لنفسه مكانا ضمن الصف الأول ، ومن رأى ضرورة السير خلف الجنازة ....
     قبيل الصلاة لم يفت الإمام تذكير الحضور بكيفية الصلاة على الميت  ، و هو ما  لم يرق أحدهم فخاطبه مستنكرا: هذا مخالف للمذهب المالكي سي الفقيه، لم يكترث الإمام بكلامه و كبر ...انتهت الصلاة و اتجهتُ مع جماعة من الشباب صوب القبر للمساهمة في مواراة الفقيد الثرى طلبا للأجر.. ، كان التآزر والتأثر باديين طيلة عملية  الدفن التي تمت بينما جمع من الأئمة يتلون سورة " يس " ، فيما تنحى آخرون جانبا ولاذوا بالصمت ،مشهد اُثار انتباه كثيرين .. انتهت مراسيم الدفن و انصرف الجميع بعد الدعاء والتصافح و مواساة أهل الفقيد..
    وباعتبارنا قادمين من مكان بعيد طلب منا التوجه لبيت جار الفقيد لأخذ قسط من الراحة و تناول شيء من الطعام نستعين به في رحلة العودة ... جمع  فضاء واحد أناسا من مناطق شتى، فكان لا بد وان تتشكل حليقات نقاش جانبية كلما توقف قارئوا القرآن الكريم جماعة ،كانت النقاشات بعيدة في غالب الأحيان عن مقتضى المقام ، وتخللها الضحك مرات على مرأى ومسمع من بعض أبناء الفقيد الذين شاركونا المجلس ...

    عدنا أدراجنا فكان ما وقع أثناء الدفن مادة دسمة لنقاشاتنا، أدلى كل منا بدلوه في النقاش الذي دار بين الأئمة حول كيفية الصلاة و مشروعية قراءة سورة يس ، و إن لم يكن بيننا متعلمون ,,,لكن سلوكات أبناء الفقيد المتباينة في  المقبرة نالت حظا أوفر منها، فقد كان ابنه الأكبر الذي لم ير والده منذ سنين  نجم الجنازة ، كان بكاؤه المصطنع أقرب لنواح النساء ...عكس  ابنه الأصغر الذي لا تخطىء العين تأثره البليغ فقد غادر القرية طريدا بعد  رفض المرحوم  زواجه من فتاة فقيرة ، ولم يمهل الموت أباه حتى يندمل جرحه ,,,
     وصلنا قبيل غروب الشمس... في اليوم الموالي وصلت دعوات كثيرين لحضور " المعروف ّ  و يا لحسن حظي فاسم عيسى بن كسان كان من أوائل أسماء اللائحة ، اتفقنا على موعد الرحلة مجددا بعد صلاة العشاء ، و التي ستكون هذه المرة على متن سيارة تفاديا لاتساخ ملابسنا البيضاء ...
    وصلنا في وقت وجيز مقارنة مع الرحلة الأولى ، كان الحضور حينئذ لا بأس به و ماهي إلا ساعة حتى امتلأ المكان عن آخره بمدعوين من مناطق متفرقة ...أعد الناس الشاي و تُِليَت آيات بينات من الذكر الحكيم بغير انقطاع فقد تفتحت شهية مناصري القراءة الجماعية ، و إن انشغل كثيرون منا بأحاديث جانبية على مدى حوالي ساعتين  ...و قدمت صحون الحلوى بأشكال متنوعة وشهية ، والفول السوداني (كاكاو) قبل أن يقدم الطعام للناس بشكل جماعي ، كانت أطباق اللحم شهية مصحوبة بمشروبات غازية ،تلتها أطباق الكسكس " السَّفَّة " والفاكهة ...امتلأت البطون و فرح الناس بحسن إكرامهم ، و دعوا الله مع الإمام أن يرحم الفقيد ويسكنه فسيح جناته و يلهم أبناءه الصبر والسلوان ،ولم يفته غير التضرع للعلي القدير بأن تنفعهم ضحكات الناس وقشفاتهم في الصبر على مصابهم الجلل ...
   عدت أدراجي مهموما مشغول البال مهمهما "  رباه أين كنت الآن : في عرس أم عزاء ، يا ويل من أغرته الدنيا حتى رحل دون زاد "...


""""""""""""""""""""""""""""""""""""
 المَعْرًوف : لفظ  طلق على كل طعام يقدم للأخرين لوجه الله ويقابل هنا في مناطق أخرى " لَعْشَا او  السَّلْكَة .."
                                             الجزء الأول : رجال حول الموت

14 التعليقات :

يا ويل من أغرته الدنيا حتى رحل دون زاد

دائما اجد هنا شىء مختلف وفكر عميق واسلوب بديع

بارك الله فيك اخى

تحياتى وتقديرى

اعجبني الموضوع جازاك الله خيرا اخي محمد فهو يعالج مشكلات المجتمع الذي تفاقمت آفته وكذلك يهتم بالمظاهر

أستاذتي الفاضلة ليلى : شكرا لك على مرورك الطيب
كلماتك تاج أنا دونه...
بورك فيك أختي


أختي أمة الله : شكرا لك شرفت صدى كيسان و أرجو أن تكون عند حسن الظن...
تحياتي

السلام عليكم...
لا تتخيل كم المشاعر الشخصية التي أثرتها في نفسي بقراءتي لتدوينتك تلك، مشاعر لها علاقة بموضوع التدوينة وأهل الدنيا، مشاعر متعلقة بالمخالفات الشرعية الكثيرة التي نجدها في كل مواقفنا، مشاعر متعلقة بالتعصب المذهبي للفروع وإهمال الأصول، وفوق كل ذلك فقد أعدت إلي ذكرى أشخاص مغاربة تعرفت عليهم منذ أكثر من خمسة عشر سنة وتركوا في نفسي عظيم الأثر على تكويني الشخصي، ومازلت أذكرهم حتى اليوم.
جزاك الله خيرا على هذه التدوينة الجميلة.
تقبل تحياتي...

شكرا لك اخي باها على قراءتك المتميزة للموضوع إنها مجرد مشاركة افكار، و مشاعرك نجاه المغاربة متبادلة وارجو ان تكرر زيراتك للمغرب
مع تحياتي

ستكون قلة أدب تجاه االميت إن ضحكت ..
لكن حقا .. أهذا عرس أم عزاء ؟

في مرة ، قالت لي أمي ستذهبين معي إلى جنازة ليس لتتفرجي
بل لتتعلمي أن هناك موت فالجنازة ليست للحزن على الميت بل لتذكر أنه سيأتي يوم ندفن فيه مثله .

لكن ما رأيته منذ ذلك اليوم في الجنازات ..
شيء غريـــب .

الناس تقوم بالصواب بالبكاء ..
و ترى النساء يقمن بالغيبة و ملك الموت لم يذهب من المكان بعد ..

لا حول و لا قوة إلا بالله ..
اللهم ارزقنا حسن الخاتمة .

تدوينة في الصميم .

أكيد أختي و أنا أيضا كلما ذهبت لتعزية أحد الا وتفاجأت بالمواقف البعيدة كل البعد عن مغزى التعزية...وأشفق حقا على ذوي الفقيد من " ظلم " المعزين
بورك فيك أختي

للأسف.. نستغل الموت في أمور دنيئة، تجعل الجنازة عرسا وفرصة لاقتناص أشياء عديدة
الحمد لله، أني لا أحضر أي عزاء أو جنازة..
حتى الأعراس أحاول قدر الامكان التقليل منها..


هامش :) عدت هنا لأقرأ كل ما فاتني من مدونتك أستاذي
سلامييي

لسنا مخيرين أختي مغربية و لو خيرت لما حضرت كثيرا من الجنائز و الاعراس...
هذا قدرنا و حسبنا محاولة تغيير ما يمكن تغييره

مرحبا بك هنا و بطلعتك البهية
شكرا لك اختي

تحية طيبة سي محمد.
أتساءل بعد كل هذا ما هو الدرس المستفاد من الجنازة والدفن وقراءة القرآن والعزاء...؟؟
يبدو أننا شغلنا بالمظاهر عن الجواهر. يبدو أن نفس المظاهر هي هي فكل بقاع الوطن المغربي شرقه وغربه وشماله وجنوبه. نفس السلوكيات والعقليات، لا تتغير.

هل القرآن يقرأ على الأموات أم على الأحياء؟
لا أنسى يوما طفلا سألني وأنا اسمع للقرآن قائلا هل توفي أحد ما؟
طبعا السؤال عن سذاجة، ولكن من أين تناول هذه السذاجة أليس مما علمه من محيطة، بمعنى أن القرآن لا يسمعه ويتلى أو يقرأ إلا إذا كان هناك ميت، هذا ما عرفه من خلال المحيطين به، اقتران القرآن بالموت. أما الأحياء فلا حاجة لهم به.

سلوكيات كثيرة للأسف نورثها جيلا لجيل، لكن العبرة ضاعت بضياع الايمان واليقين.
أسأل الله السلامة.
عودة لموضوعك سي محمد، (مزاحا) المهم أنك أطعنت وزردت، الله يجعل شي باراكة :)

بخصوص كلمة "المعروف" فنحن نطلقها في سوس كذلك على مثل المواسم (الموالد).
تحيتي

بورك في قلمك المتميز و افكارك المنسابة استاذ رشيد...اوافقك في كل ما ذكرت ويبقى ان يحس كل منا ان من واجبه المساهمة في تغيير هذه السلوكات بالتنبيه والتذكير ...
اللهم رد بنا ردا جميلا ...
تحياتي

أي مصاب أعظم من هذا كي تعتبر العباد
وأي جلل يحتاجون كي ترق قلوبهم


أشكرك أخي محمد على نقلك المفصل لهذا الحدث الذي تمنيت أن يكون
منه عبرة وليس مناسبة اجتماعية دنيوية
هنا وفي كثير من البلدان للأسف تتشابه العادات في الجنازات
قراءة قرآنية لا تتجاوز الآذن
ودموع لا تتجاوز صفحة الوجه
طعام وشراب
وتجمعات
وللأسف ضحكات

تحيتي لأسلوب الشيق

حييت أختي زينة لقد تفاجأت فعلا بكون المعاناة والسلوكات موحدة في اغلب الاقطار العرية و ما ذكرت هنا بحسب ما أثير من نقاش حول الموضوع الا القليل ...
شكرا لك على مرورك المتميز

السلام عليك سي محمد . موضوع مثير وتدوينة متميزة . تغمد الله الفقيد بواسع الرحمة وألهم دويه الصبر والسلوان .. الصبر على فراق الفقيد والصبر والعون على أداء تكاليف العزاء و"المعروف " الذي كاد يصل إلى درجة مراسيم العرس كما تفضلتم، الفرق بينهما أن المرء يستعد ويعد العدة لإقامة العرس، بينما يأتي الموت على حين غرة فتضطر عائلة الفقيد وخاصة الفقيرة إلى الاقتراض لشراء الدبيحة" التي ستقدم كوليمة للمدعوين في "المعروف". تحيتي لك الأستاذ محمد.

إرسال تعليق

أخي القارىء أختي القارئة تعليقك على الموضوع دعما أو نقدا يشرفنا فلا تتردد في التعليق عليه ...

Follow by Email