الثلاثاء، 15 مايو، 2012

رحلة تعزية في القرن الواحد والعشرين - رجال حول الموت (1)

      رجال حول الموت...
    حدثنا عيسى بن كيسان قال : تلقيت ببالغ الحزن والأسى نبأ وفاة التاجر الكبير الحاج علي القطان ، فلم يعد توجهي للعمل ذلك اليوم مستساغا رغم أن خسارة أجرة يوم ستخلف جرحا غائرا في جيبي.. 
سقط النبأ على الحي كالصاعقة فحرصت ككثيرين على ألا يفوتني حضور جنازته ،ابتغاء الأجر والتواب و أشياء أخرى (لَكْذُوبْ عْلَى الله حْرَامْ )...فكنت في مقدمة موكب المعزين المتوجهين لمسقط رأسه البعيد بكيلومترات عن بلدتي .. استعنا بالحديث على مشاق طول الطريق،
فتعددت ردود الأفعال و تنوعت الروايات ، بين من رآه في السوق الأسبوعي أحد طرفي شجار شد أنظار حشد كبير من الناس  ،و بين من التقى به فرحا مزهوا في عرس الحاج الفاطمي ، وبين من أثاره حديثه و ضحكه المسموعين  قبل أسبوعين في جنازة شاب من إحدى القرى المجاورة ، قضى إثر حادثة سير مروعة ...  فيما تحدث آخر اعْتُبِِرَِ من حاشيته بإسهاب عن  سخائه و إكرامه للفقراء، متوقعا له الجزاء الأوفى عند الله ... رواية عارضها  بقوة السي حماد الرَّحَّالَة ، فشكك في نوايا المرحوم و اتهمه بالرياء ، مستدلا بعدم استفادة كثير من أقربائه من سخائه ذاك... ثارت ثائرة سي عبد الله " :اذكروا موتاكم بخير " ، استرسل  سي حماد غير مِبَال و بنبرة المتيقن ،لا نقول إلا الحقيقة و الويل ثم الويل  لمن أغراه المال وأنساه هذه اللحظة ...التي تنتظرنا جميعا انفجر الجميع ضحكا على إيقاع طرفة من طرف السي الحسين المعتادة...حَنْحَنَ سي عبد الله وذكَّرنا من جديد : نحن في موقف جلل يا سادة...كفى بالموت واعظا كلنا لها، استغفرت الله أسوة بكثيرين ، توقف الحديث لنستمتع بسَمفُونية أنفاسنا التي تعالت من شدة العياء.
       وصلنا بيت الحاج على - قيد حياته - المُحَاذي للطريق ، حوالي الساعة التاسعة والنصف ، وجدنا أناسا كثيرين وصلوا قبلنا ،قدمنا تعازينا لأبناء الحاج المحمرة وجوههم  ، ولم يفتنا ان نعرفهم بأنفسنا مستعينين بخبرة سي حماد ، قبل أن نَرْكَن إلى ظل يقينا حَرَّ الشمس في انتظار موعد الدفن الذي لم يَحِنْ بعد، خيَّم الصمت على المُعَزين دون أن نَعدِم مجموعات منخرطة في مناقشه أمور شتى :غلاء الأعلاف والبنزين ،و الانتخابات ... بل والضحك وبصوت عال أحيانا...
       مرت 30دقيقة بالضبط على وصولنا ، و بدأت حشود المعزين تتحرك في اتجاه المقبرة ، اندهشت لدقة احترام الموعد المحدد عند الإخطار عكس  المواعيد والأعراس  وغيرها من المناسبات  ، من بعيد لاح جثمان الحاج علي مُسَجّى فوق نَعْش خشبي مزين بالآية القرآنية التي لا نذكرها إلا في مثل هذا الموقف "كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " محمول على أكتاف عدد من الشبان ...

        
      تعالت صيحات.... يتبع 
 - تنويه : هذه التدوينة تعبير بسيط عن رد فعل طفل صغير خاطب أمه وهو ينظر لمكان أعد لمجلس عزاء ليلا بينما كنت مارا بجانبهما  "أمي  أهذا عرس أم عزاء"؟؟؟؟

5 التعليقات :

كما توقعت تماما عزاء بطعم الضحك، والنبش في زلات الميت..
هكذا تكون للأسف تلك المجالس أينما وليت وجهك في هذه البلاد السعيدة..
الله يعفو علينا.
سأنتظر الباقي لأعلم النهاية.
تحيتي لك أستاذ محمد.

إنها لمن علامات نهاية القيم أن يتحول الموت ومراسيمه
من طقس روحي إلى مناسبة للاحتفال والمجاملات بل وتتفتح شهية البعض للطعام بشكل غريب ومقزز أحيانا كثيرة.
نص معبر وساخر.
مودتي

أبو حسام ، سي عبد العاطي: أكيد هذه ملاحظات يتشارك فيها كثيرون ،أرجو أن أوفق في كشفها علنا نصحح ما تيسر منها على الأقل...
شكرا لكما و ودمتما و فيين لكل جديد مفيد ومرحبا بملاحظاتكما النيرة

لم يحترموا موقف من أكثر المواقف رهبة
كان من المفترض أن يكون موقفا واعظا
مذكرا بنهاية الانسان وبحياة البرزخ وحياة الاخرة
لكن للأسف هو عند المعظم عبارة عن مناسبة مارة
وواجب يجب تأديته
دون الوقوف على مواعظه


تحيتي لقلمك الذي كان لنا بمثابة فرشاة رسام
تنقل الصورة للقاريء
فيتحول من قاريء إلى مشاهد

تحيتي

العفو أختي العزيزة زينة كلماتك الجميلة والمعبرة تاج أعمل وأتوق لأكون في مستواها ...
صحيح أختي مجالس العزاء اليوم تشهد مواقف تقشعر لها الأبدان كما قلت ...تابعي الجزء الثاني ان شاء الله
مع تحياتي

إرسال تعليق

أخي القارىء أختي القارئة تعليقك على الموضوع دعما أو نقدا يشرفنا فلا تتردد في التعليق عليه ...

Follow by Email