الأربعاء، 16 يناير، 2013

كثرة حوادث السير و تطبيق القانون أية علاقة ؟

     تعتبر حوادث السير من الظواهر التي  تقض مضاجع المسؤولين و المهتمين وكل الغيورين على أمن و سلامة المواطنين المغاربة في الوقت الراهن، بالنظر لعددها و كثرة ضحاياها  يوميا ما بين قتيل وجريح ، ناهيك عن أضرارها المادية الجسيمة ، حتى إن المغرب يصنف في  المراتب الأولى عربيا وعالميا و تتعدد أسبابها وتختلف باختلاف زاوية نظر كل طرف   من الأطراف المعنية بها فهل لتطبيق القانون في المغرب دور في كثرنها ؟
- تطبيق القانون و التطبيع مع الرشوة


في كل بلاد العالم  يفترض أن يكون تطبيق القانون اللبنة الأساس لقيام مجتمع صالح متطور تسوده المساواة و الوئام
و الكرامة ...مما يؤهله للانخراط في نادي الأمم المتقدمة...غير أن الأمر في بلدنا الحبيب المغرب على عكس ذلك تماما  حيث يصبح تطبيقه في حالات  كثيرة من الوسائل المشجعة بشكل غير مباشر على ظاهرة من الظواهر التي تنخر جسد المجتمع ألا وهي الرشوة  و سأسلط هنا الضوء على هذا الجانب  من خلال قصة شخص خالف قانون السير :
" وقع في مخالفة  نتيجة جهله بالقانون . ولأنه لا أحد يعذر بجهله للقانون ولأنه " قَاسَحْ الرَاسْ "(1)، و لم تكن له معرفة بمن يستطيع تخليصه من قبضة رجال المراقبة ، أو لنَقُل ربما ليس له  القدرة أو الشجاعة على دس مبلغ مالي في جيب أحدهم  ، كان من الضروري أن يذعن لتبعات تطبيق القانون و ما أدراك ما تطبيق القانون الذي يُثْخَن خرقا  يوميا إذا تحركت آلته ... بدأت  الإجراءات بحجز السيارة ثم إجراءات استرجاعها  و ستنتهي باستدعائه لحضور جلسات المحاكمة .، .و هو مطالب بالتنقل إلى المحكمة مرات وربما اعتماد محام ... قبل أن يصل لأداء الغرامة ، .لم ير عيبا في أداء مبلغ الغرامة  المحكوم به تيسيرا أو تشديدا  شرط أن يكون معقولا ،
ورغم  أن تكلفة الخيارات الأخرى في أصعب الأحوال ما كانت  لتزيد عن500 درهم  فإن  حصيلة  اختيار مسلك تطبيق القانون ستفوق توقعاته إذ ستتجاوز مبلغ الغرامة 5000    درهم.، طبقا للمادتين 131 و 140 من ظهيرمدونة التأمينات :   القانون رقم 99-17  الصادر بالجريدة الرسمية. بتاريخ 2 رمضان 1423 - 7 نوفمبر 2002 :فالمادة 131 منه تنص على أنه : يعاقب بالحبس من شهر (1) إلى ستة (6) أشهر وبغرامة من ألف ومائتين (1.200) إلى ستة آلاف (6.000) درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من خالف عن قصد أحكام المادة  120 أعلاه ... كما أن مما  تنص عليه المادة 140 المتعلقة بموارد تمويل " صندون  ضمان حوادث السير"  :  :... 3- اقتطاع يتحمله مالكو العربات لمخالفتهم أحكام المادة 120 من هذا الكتاب. هذا الاقتطاع ، الذي يعادل أربع مرات مبلغ الغرامة الجنائية المعاقب بها على هذه المخالفة..." وهو ما يعني أن المخالف و لو لم يتعمد المخالفة في أحسن الحالات سيحكم عليه ب 6000 درهم (1200+4800)  (الصورة 2)و هو ما يعني أنها قد  تصل إلى 30000.00 درهم ؟؟؟؟؟؟  سيقول كثيرون  ذلك جزاء من سولت له نفسه مخالفة القانون  متعمدا  ، لكن حين  يكون ذلك عن جهل أو نسيان و لأول مرة و يحكم عليه بذلك المبلغ المرتفع فتلك قمة الظلم .
       مثل هذه القصة  و ما شابهها  يسمع منها السائقون العشرات ، و التي عنوانها الأبرز إذا لم تقبل بأداء 50 أو 100 ستدفع  أكثر مع " التجَرْجِيرْ "،  تكون  لديهم قناعة راسخة  بأن تكلفة تطبيق القانون باهظة بصورة لا تطاق،
    - التطبيع مع الرشوة وكثرة حوادث السير 
        .و ما دام  احترام غالبية السائقين  للقوانين من الألف إلى الياء  شبه مستحيل ، فإن  الحل والحل الوحيد إن تم توقيفه يكمن في التفاهم مع " أصْحاب الحَالْ " كما يسمونهم و بأي ثمن ، وهكذا  كلما ساق عربته صرب القانون عرض الحائط ( تجاوز السرعة ، التجاوز المعيب ، زيادة عدد ركاب سيارات الأجرة والحافلات ، عدم احترام الضوء الأحمر وعلامة قف ....)و وضع  نصب عينيه بدله الشرطي أو الدركي ، و سيناريوهات الحل في حال وقوعه في قبضته ، و التي تتوج برشوة تتيح له مواصلة المشوار ... و بعد أن يجرب العملية مرة أو أكثر و تتضح له سهولتها و نجاعتها. يصبح  خرق القانون بالنسبة إليه قاعدة وعادة ، لاشك أن  كثرة أصحاب هذا الاختيار (الرشوة) بين السائقين يعني سيادة الفوضى على الطريق  ، و هو ما يعني سياقة   المعول على الرشوة بكل أريحية  في وقت يسوق الحريص على تطبيق القانون المستحضر لسلطته خائفا يترقب  إذ لن تغفر له زلة مهما صغرت و إن تطلب الأمر التنقيب عنها (2) ،والنتيجة  حرب مدمرة تأبى أن تضع أوزارها  فتأتى على أرواح مئات الأبرياء ،و تفتك بآمال الكثيرين  وأموالهم ، و تيتم  الصغار وترمل النساء ...
      و قد حذر كثيرون من النتائج العكسية لارتفاع مبالغ الغرامات  و تشديد العقوبات  وتعقيد المساطر الإدارية قبل تطبيق مدونة السير الجديدة  دون جدوى ، فلا الحوادث تراجع عددها و لا المواطن والسائق أحسا بالراحة، و لا أظن أن الأمر سيكون على هذا النحو لو أن الغرامات و  العقوبات كانت معقولة و مناسبة لدخل المواطن ، و تم تيسير سبل أدائها ، فلو أن من يرتكب  أية مخالفة، يتسلم وصلا من المراقب و يتوجه بعد يوم أو لنقل بعد  أسبوع إلى أية وكالة بنكية أو قباضة ويحول مبلغ الغرامة  للخزينة العامة ليعود بوصل يتسلم على إثره رخصته أو سيارته مباشرة ، و كان مبلغ العقوبة غير مبالغ فيه  لتغيرت المعادلة ، إذ  لن يرضى غالبية مرتكبي المخالفات حينئذ التوسل للمراقب بالكلمة أو بالدرهم ....مما سيلزم  المراقب بتطبيق القانون بصرامة على الجميع ...و من ثم يصير تطبيق القانون لدى المواطن  قناعة وسلوكا قبل أن يكون خوفا من الزجر أو العقوبة، و هو ما سينقص عدد حوادث  السير المفجعة .  ....
    الخلاصة أننا أمام سلسة من ثلاث حلقات مترابطة ، فسوء تطبيق القانون و الظروف المرتبطة به وطبيعة الغرامات  تفسح المجال لتفشي ظاهرة  الرشوة ،وبتفشي  الرشوة  نصير أمام فوضى عارمة على الطرق ،  فوضى تنتج عنها حرب ضروس نشهد وقائعها يوميا على وسائل الإعلام المختلفة.


++++++++++++++++++
(1) " قَاسَحْ الرَاسْ " : عبارة بالدارجة المغربية تعني :عنيد
 (2) أحيانا يسأل المراقب السائق (العَاق) بشكل استفزازي عن كل صغيرة وكبيرة لإنزال العقوبة عليه ، حتى إنه لو قام بنفس الأمر مع  كل العربات التي تمر أمامه لكان عليه تسجيل مخالفة أو أكثر  ل  90 في المائة منها....

 تنويه :هذا الموضوع امتداد لموضوع سابق بعنوان " أهلا بثمن تطبيق القانون...ما دام المواطنون سواسية "


6 التعليقات :

السلام عليكم
والله استاذى قلوبنا تعبت من كثرة اخبار الحوادث
اذا كنت تتابع اخبار مصر فستكتشف كمية فظيعة من الحوادث هذا الاسبوع
اسأل الله تعالى ان يصلح حال بلادنا ويولى علينا الصالحين

حقيقة اشعر بأسى شديد بسبب هذا الاهمال فهو لاشك اهمال وفساد سواء الرشوة او التسبب فى حوادث السير فجميعها فساد أخلاقى وضياع ضمير
حسبنا الله ونعم الوكيل

تحياتى لك استاذى بحجم السماء

@ليلى الصباحى.. lolocat
و عليكم السلام
أحييك أستاذة ليلى على تواصلك المتميز
فعلا حرب الطرق قاسم مشترك بين بلدينا هذه الايام
نسأل الله السلامة
تحياتي

بصراحة هذه الكارثة الكبرى، العقوبات صعبة جدًا مع المدونة الجديدة، والرشوة لم تنقطع بل زادت، والحوادث مازالت لم تشهد تخفيفًا على الاقل.
انا مع مسألة أن تكون الغرامة والعقوبة معقولة وفي متناول الجميع، أم أنهم يريدون التخفيف من الاكتظاظ في الطرقات بأن يتخلى الاغلبية عن سياقة سياراتهم؟
نسأل الله السلامة
طرح مميز سي محمد

شكرا لك سي رشيد
لا ادري متى توضع نقطة النهاية لهذا المسلسل الدرامي
الرشوة في تزايد والحوادث ايضا
تحياتي

إرسال تعليق

أخي القارىء أختي القارئة تعليقك على الموضوع دعما أو نقدا يشرفنا فلا تتردد في التعليق عليه ...

Follow by Email