الأحد، 22 أبريل 2012

كثرة الإضرابات في الوظيفة العمومية بين الحق و الواجب

   صارت إضرابات كثير من موظفي الإدارات والمؤسسات العمومية ، حديث الشارع المغربي و مادة دسمة لوسائل الإعلام المختلفة في الآونة الأخيرة ، نظرا لما تكبده الاقتصاد الوطني من خسائر جراءها ،وما ترتب عنها من تعطيل لمصالح المواطنين (الجماعات المحلية و العدل,,,)،وجروح لن تندمل ابدا في المسيرة الدراسية لعدد كبير من التلاميذ (التعليم)، و مآسي تستعصي على التصديق (الصحة،..)،إضرابات اختلفت الآراء حولها باختلاف
زاوية النظر ، ففي حين يحمل الموظفون على اختلاف فئاتهم، مسؤولية كل ذلك للوزارات المعنية لعدم تقديمها حلولا ناجعة تنصفهم وترفع عنهم الحيف الذي استمر لسنوات من جهة، وللمواطنين لعدم احتجاجهم دفاعا عن مصالحهم ومصالح أبنائهم من جهة ثانية ، ترمي الوزارات بالكرة في مرمى هؤلاء ، مؤكدة استجابتها لكثير من المطالب ، متهمة بعض الفئات برفع مطالب تعجيزية ..وكذا الإساءة لحق الإضراب من خلال المساس بحقوق المواطنين و تحويل كثيرين ايام الإضرابات لأيام عطلة، فضلا عن ما يرافقها من ممارسات لا أخلاقية  من بعضهم كالعمل في القطاع الخاص أيام الإضراب ، تحرير وثائق خارج مقرات العمل...
   واعتبارا لكون الاضراب حقا يكفله الدستورالمغربي  للأجراء كوسيلة للدفاع عن حقوقهم (الفصل 29 من الدستور المغربي)، و صعوبة الاصطفاف الى جانب هذا الطرف أو ذاك ، وإن كانت الوقائع أحيانا تعضد رأي الموظفين فإن سؤال الحق والواجب يطرح نفسه بإلحاح ،وسأتحدث عن التعليم كنموذج في محاولة لمقاربة جوانب من هذا الموضوع.
     أقدمت وزارة التربية الوطنية في إطار سعيها لسد الخصاص في الموارد البشرية ، والمساهمة في امتصاص غضب المعطلين من حملة الشهادات العليا على عدة  قرارات في السنوات الأخيرة ، أخرجت كثيرا من فئات رجال التعليم المتضررة منذ زمن عن صمتها ومن بينها :
-  تعيين مجازين (توظيف مباشر)أساتذة للتعليم  الابتدائي أو الإعدادي من الدرجة الثانية " السلم العاشر " ، فيما آلاف من رجال التعليم المجازين وآخرين راكموا تجارب سنوات عدة قد تتجاوز الثلاثين لا يزالون يقبعون في الدرجة الثالثة " السلم التاسع ) حتى اصطلح عليها الزنزانة 9,
-  تعيين حاصلين على الماستر (3+2) دون تكوين أساتذة للتعليم الثانوي التأهيلي من الدرجة الأولى( السلم الحادي عشر) فيما أساتذة مجازون خريجو المدرسة العليا للأساتذة (4+1)  تجاوزت سنوات عمل الكثيرين منهم  العشرة  لا يزالون يقبعون في الدرجة الثانية ( السلم العاشر),
 هذا فضلا عن إهمال مطالب فئات عدة من رجال التعليم : الملحقون ، هيئة الإدارة التربوية ،المدمجون، الأعوان ,,,
     قرارات اعتبرها رجال التعليم و معهم كثير من المهتمين بالشأن التعليمي بالمغرب ارتجالية  لانعكاساتها السلبية على جودة العرض التعليمي العمومي (التدريس دون تكوين ؟؟؟)،و ما ترتب عنها من ظلم وحيف (أستاذ عين في 2010 يتقاضى 7000 و آخر يعمل منذ سنوات يتقاضى 4000 درهم أو أقل ؟؟؟؟)، و رأى المتضررون أن من حقهم اللجوء لكل الاشكال النضالية المشروعة بما فيها الإضرابات الممتدة " نموذج أساتذة الزنزانة 9" دفاعا عن حقوقهم ، خصوصا بعد  أن اتضح خلال العشر سنوات الأخيرة أن الوزارة لا تفهم غير لغة الإضرابات و الاعتصامات ، فمن أضرب واعتصم بالرباط نال حقه ، ومن عمل وانتظر حوار النقابات الأكثر تمثيلية طاله النسيان ، ومن ثم فلا جدوى من التفكير في وسائل غيرها كحمل  شارة ، أو مقاطعة المجالس .. أسوة بالموظفين في الدول الغربية ، رافضين الاستشهاد بهذه الأخيرة في الاقتطاع من أجرة المضربين وقلة الإضرابات ، لما توفره لموظفيها من حقوق تنزلهم المنزلة اللائقة بهم في المجتمع ،و استجابتها لمطالبهم عقب أبسط أشكال الاحتجاج ,محملين الوزارة الوصية مسؤولية تبعات  هذه القرارات : هدر الزمن المدرسي ، تدني مستوى التلاميذ ، وإضعاف المدرسة العمومية...
        لكن الانعكاسات السلبية للإضرابات الكثيرة لعدد من فئات رجال التعليم - بما فيهم أصحاب التعيينات المباشرة  - على المسيرة الدراسية لتلاميذ أبرياء ،لا ذنب لهم  غير أنهم ليسوا من ابناء الطبقات الميسورة في المغرب ، وانتهاكها لحقهم في التعلم (الفصل 30 من الدستور المغربي)، تضع مشروعية هذه الإضرابات موضع تساؤل ؟ لهذا يرد منتقدوهم : وهل موظفونا في مستوى نظرائهم  الغربيين الذين تشير التقارير و التجارب الميدانية لحرصهم اليومي على الوقت ، وتقديسهم للعمل بكل ما تحمل الكلمة من معنى ؟، وهل يتصور أن يفكر هؤلاء في حقوقهم وينسون واجباتهم التي تترتب عليها حقوق الآخرين ،أو أن يوازوا بين خسارة(1) مبلغ مالي شهريا لمدة ما مهما كانت أهميته ، وبين حرمان تلاميذ من الدراسة لأسابيع بل أشهر سيتم تنقيلهم للقسم الموالي  في آخر الموسم ظلما ؟ 
        وفي حين يحمل المضربون المواطنين أيضا مسؤولية ضياع مصالحهم و مستقبل أبنائهم ، لصمتهم المطبق وعدم احتجاجهم للضغط من جانبهم  لترتدع الوزارة ، يرى منتقدوهم بأن ذلك مردود عليهم لأن فاقد الشيء لا يعطيه فغالبية الآباء وخاصة في العالم القروي غير واعين بأهمية التعلم و بحقوقهم عامة، وأن الوزارة رفعت ميزانية الداخليات والمطاعم المدرسية بل لجأت بمعية شركائها لتقديم مساعدات مالية للأسر للحد من الهدر المدرسي و الرفع من مستوى التلاميذ - برنامج تيسير - فكيف يحتج  من يفرح يوم يعود الأبناء من المدرسة لأن أعمالا كثيرة تنتظر الإنجاز ،و بالكاد يحصل على قوت يومه وما يوفر به ضروريات العيش لأبنائه ، وهو ما يقتضي تضحيات من رجل التعليم الذي هو صاحب رسالة سامية قبل أن يكون عاملا،  مساهمة منه في تنمية وطنه ودعما لجهود الوزارة لا أن يزيد الطين بلة ، ناهيك عما يطرحه الاستمرار في تلقي الراتب (الحق) دون عمل(الواجب) لفترة طويلة  من تساؤلات.
     إن كثرة الاضرابات لم تأت من فراغ ولا للاستفادة من أيام عطلة زائدة لدى السواد الأعظم من الموظفين ، بل هي نتيجة تراجع إداراتهم عن اتفاقات سابقة (2)وطبيعية بالنسبة لكثير من قراراتها غير المدروسة، والتي أشعرت كثيرين  منهم بالحيف ، شعور ترجم أشكالا نضالية غير مسبوقة في المغرب ،إلا أن ذلك لا يشفع لهم في ظل لا مسؤولية كثير من الإدارات في أن يمعنوا في انتهاك حقوق مواطنين محرومين مثلهم ،لا حول لهم ولا قوة,
                                                                                                        

""""""""""""""""""  
1- مثلا  اتفاقات كثيرة بين وزارة التربية الوطنية و النقابات الأكثر تمثيلية آخرها اتفاق 26 ابريل2011
      2-  هذا إن جاز لنا الحديث عن خسارة بالنسبة لمن لم يستوفوا بعد شروط الترقي حسب القوانين الجاري بها العمل ، مادام كل  موظف يرتبط بعقد مع الوزارة يحدد الواجبات والحقوق .
                                                          ذ محمد ايت دمنات

9 التعليقات :

الاضرابات في بدايتها كانت حقا يراد به حق.. أما الان فصارت حقا يأكل حقوق الملايين من الأطفال ضحايا الاضرابات..
من يريد حقوقا عليه أن يستحقها، والعديد من أبناء وزارات تعليمنا دخلوا هذا المجال بغية الاستفادة من ميزاته، مع اغفال تام للواجب المهني والأخلاقي مقابل الامتيازات :)

سلامي

شكرا لك اختي مغربية على صبرك على طول التدوينة -المقال هههه
للاسف هذا حال كل مجالات الوظيفة العمومي

ما ضاع حق لم يضيع واجبا
تحيتي ومودتي

صحيح اخي محمد
شكرا على مرورك الطيب

نعم استاذي فوالله لهذا الموضوع من المواضيع الشائكة فوجب على الدولة اخراج قانون الإضراب حت ياخذ كل ذي حق حقه فكلنا مع المطالبة بالحقوق دون نسيان واجباتنا

بورك فيك اخي فعلا نتمنى ذلك
شرفت صدى كيسان

الإضراب في حقّ ذاته هو فعل نضالي شائع و مشروع طبق المواثيق و الأعراف
لكن كيفيّته ، توقيته و نوعه هذه هي أوجه الخلاف و الإختلاف بين ما يكون و لا يكون و يحقّ و لا يحقّ...
إذا ما ستوفى الأجراء كل الإشعارات التنبيهات و الضغوطات فإنّه من حقّهم القيام بإضرابات جزئيّة أو كلّية و بسابق إعلام و مع حفظ النفس البشريّة و ضروراتها إذا كان الاضراب يمسّ مؤسسات خدماتيّة أو صحية أو ما شابه ...
الاستثناء الوحيد هو الوضع العام للبلد و الظروف المحيطة إذا كانت لا تسمح بالاضراب إجماعا فإن مصلحة البلاد العليا هي التي تهيمن و تبطل ...

تقديري لك و لأطروحاتك

صاحب الزمن الجميل

http://zaman-jamil.blogspot.com/

الإضراب في حقّ ذاته

أقصد في حدّ ذاته

عفوا

@mongi bakir
أهلا بك أخي منجي : لا جدال في مشروعية الإضراب المشكل هنا حين يكون الإضراب وسيلة للتمتع بإجازة مدفوعة الأجر دون مراعاة حقوق الآخرين
تحياتي

إرسال تعليق

أخي القارىء أختي القارئة تعليقك على الموضوع دعما أو نقدا يشرفنا فلا تتردد في التعليق عليه ...

Follow by Email